جان لوئيس بوركهارت

258

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

لا يجهل ما يلحقه بصحة العبد من أذى إذا هو حاول منعه من الهروب بحبسه والتضييق عليه ، لأن للعبيد الجدد غراما بالخلاء ، وهم لا يدخلون البيوت إلا كارهين ، فهي السجون بعينها في نظرهم . ولكنهم ما إن يدخلوا الصحراء - في طريقهم إلى نهاية الرحلة - حتى يتنكر لهم سادتهم وبرخوا العنان لشراستهم وتوحشهم ، لأنهم يعرفون أن العبيد سدت دونهم سبل الهروب . وطالما سمعت رفاقى بشندى - وهم على فظاظتهم لم يكونوا أحط طبقات الجلابة ولا أسفلها - يحدث بعضهم بعضا إذا أساء عبد من العبيد أدبه وخافوا مغبة عقابه ، فيقولون : صبرا حتى يجتاز بربر ، وبعدها يعلمه الكرباج الطاعة والامتثال . وقد رأيت مثل هذه القسوة في التجار السواكنية الذين سافرت في قوافلهم بعد ذلك ، فهم يتنكرون للعبيد إذا اجتازوا التاكة . على أن صحة العبد هي على الدوام محل عناية الجلاب ، فالعبد يصيب طعامه بانتظام ، ويأخذ حظه من الماء خلال الرحلة مع سيده . كذلك يسمح لصغار الفتيات ونحافهن بركوب الإبل في حين يقطع الباقون الرحلة راجلين ، سواء كانت وجهتهم مصر أو سواكن ، كما قطعوها من دارفور إلى شندى . وقد رأيت في صغار العبيد من شدة البدن وصلابة العود عجبا . كنت أجدهم ، بعد مسيرة أيام متوالية بمعدل عشر ساعات إلى اثنتي عشرة ساعة في اليوم ، يلعبون ويمرحون عقب العشاء كأنهم قد نعموا براحة طويلة . وتحمل النساء الأطفال على ظهورهن ماشيات خلف القافلة . وإذا أعيا جمل حمّل الجلاب العبيد حمله ، ويكفى الغلام شئ من السمن يصيبه في العشاء مع خبز الذرة وقليل من الشحم يلطخ به جسده وشعره كل يومين أو ثلاثة ، فلا يشكو قط تعبا ولا نصبا . وثمت دافع آخر يحفز الجلابة إلى الترفق بالعبيد ، وأعنى رغبتهم الشديدة في محو ما علق بأذهان الزنوج أجمعين من خوف وفزع مبعثهما مصر وسائر بلاد البيض . فالفكرة السائدة في بلاد الزنج هي أن « ولد الريف « * » » ( أي المصريين ) يأكلون العبيد ، وإن هؤلاء يجلبون إلى مصر لهذا

--> ( * ) الريف هو اللفظ الذي يطلقونه في هذه البلاد على مصر ، ومعناه الأرض المنخفضة الكثيرة المياه .